الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
99
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
قال جماعة : هو إرادة بالقلب ، مع السؤال باللسان . وقال البعض : هو السؤال باللسان فقط . فإن قلت : من أعلمك أنهم لم يتمنوا ؟ أجيب : بأنهم لو تمنوا لنقل ذلك عنهم كما نقل سائر الحوادث ، ولكثر ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن في الإسلام ، وهم أكثر من الذر ، وليس أحد منهم نقل ذلك . فإن قيل : التمني من أعمال القلوب ، وهو سر لا يطلع عليه أحد ، فمن أين علمت أنهم لم يتمنوا ! ؟ أجيب : بأن التمني ليس من أعمال القلوب ، إنما هو قول الإنسان باللسان : ليت لي كذا ، فإذا قاله ، قالوا : تمنى ، وليت كلمة تمن ، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب ، ولو كان التمني بالقلوب وتمنوا ، لقالوا : تمنينا الموت في قلوبنا ، ولم ينقل أنهم قالوا ذلك . فإن قيل : لم يقولوه ؛ لأنهم علموا أنهم لا يصدقون . أجيب : بأنه كم حكى عنهم من أشياء قالوها للمسلمين من الافتراء على اللّه ، وتحريف كتابه ، وغير ذلك مما علموا أنهم غير مصدقين فيه ، ولا محمل له إلا الكذب الصرف ، ولم يبالوا ، فكيف يمنعون من أن يقولوا : إن التمني من أفعال القلوب ، وقد فعلناه مع احتمال أن يكونوا صادقين في قولهم ، وإخبارهم عن ضمائرهم ، وكان الرجل يخبر عن نفسه بالإيمان فيصدق مع احتمال أن يكون كاذبا ؛ لأنه أمر خفى ولا سبيل إلى الاطلاع عليه . فإن قيل : عدم نقل تمنيهم الموت إلى الآن لا يدل على عدم تمنيهم أبدا . أجيب : بأنه لا محيص عن هذا الإشكال إلا أن يكون الخطاب مع المعاصرين ، وقد انقرضوا ولم يتمنوا ، وإلا لنقل ذلك واشتهر ، فلما لم ينقل ، علم أنهم لم يتمنوه . ولعل هذا القول يخالف ما تقدم آنفا عن الشفا نقلا عن أبي محمد الأصيلى ، من أن عدم التمني ثابت للاحقين منهم أيضا ، والحاصل أن التمني إما فعل اللسان ، وإما فعل القلب ، وأيا ما كان يثبت وهو أنهم لم يتمنوه . من أنباء الغيب : كذلك من الإخبار بالغيب الذي يلزمهم ولا يستطيعون رده ، ما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله سبحانه : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ آل عمران : 44 ] . أنباء الغيب هي ما تقدم قبل هذه الآية من ذكر قصة زكريا ، ويحيى ، ومريم ، وأمها